أحمد بن يحيى العمري
109
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
قلت : وقد قيل إن أخته لما خافت على ذهاب الملك لاختلال الأحوال به رتبت له رجالا تقتله ، ثم رتبت رجالا لتقتل قتلته ، ثم رتبت رجالا لتقتل قتلته ، هكذا سبعة أدوار ، لتخفي قتله فخفي ، [ وكانت ] امرأة حصيفة وافرة العقل ، رأت الهلاك في الأعضاء ، فقطعت عضوا لحفظ سائر الأعضاء . ثم ابنه : 37 - الظّاهر بإعزاز دين اللّه أبو الحسن علي « 1 » ، وكان صغيرا ، قدّمته عمّته ، ورأت أن تحفظ لأبيه نعمته ، فبدأت به قبل كبار بيته ، ورعت للحي حق ميته ، ثم كان له الاسم ، ولها التصرف الوافر القسم ، وكانت ذات رأي سؤوس « 2 » وحفظ لما تدبر وتسوس ، فقامت قيام أردشير ، ونهضت نهوض خاقان صاحب السرير ، وأفكرت فكر بلقيس ، وفعلت ما يعجز عنه إبليس ، حتى مشت الأمور ، ومرت أخلاف « 3 » الدهور ، ثم كان الظاهر من ذوي السياسات المحمودة ، والرياسات المشهودة ، والمنافسات على الهمم التي أفنت ماله ، وأبقت جوده .
--> ( 1 ) الظاهر الفاطمي : علي بن منصور ( الحاكم بأمر الله ) ابن العزيز بن المعز الفاطمي العبيدي ، أبو الحسن من ملوك الدولة الفاطمية ، كانت له مصر والشام وخطبة أفريقية ، ولي بعد وفاة أبيه سنة 411 ه ، وبعهد منه ، وكانت عمته ( ست الملك ) أخت الحاكم بأمر الله هي القائمة بأمور الدولة ، لصغر سنه ، واستمرت إلى أن توفيت سنة 415 ه ، واضطربت أحوال الديار المصرية والبلاد الشامية في أيامه ، وتغلّب حسان بن مفرّج الطائي شيخ عربان جبل نابلس على أكثر الشام ، ودامت دولة الظاهر قرابة ستة عشر عاما ، وكان محبا للعدل ، فيه لين وسكون ، مع ميل إلى اللهو ، مولده ووفاته بالقاهرة سنة 427 ه . ( ابن خلدون 4 / 61 ، ابن الأثير 9 / 110 ، 154 ، ابن خلكان 1 / 366 ، اتعاظ الحنفا ص 271 ) ( 2 ) سؤوس : حسن السياسة . ( 3 ) مرت : درت ، والأخلاف : جمع خلف ، ضرع الناقة ، كناية عن حسن التدبير وجودة السياسة .